نصر حامد أبو زيد

5

الاتجاه العقلي في التفسير

مقدمة تنبّه الباحثون إلى أثر القرآن الكريم في نشأة العلوم العربية عامة ، وفي نشأة علوم النقد والبلاغة بصفة خاصة . وحاولوا في أبحاث كثيرة الكشف عن هذا الأثر وتحديد ملامحه وأبعاده . واختلفت زوايا التركيز بين الباحثين تبعا لاختلاف زاوية الاهتمام . ولم يحظ أهم مبحث من مباحث البلاغة ، وهو مبحث « المجاز » بدراسة مستقلة تعنى بتقصي ظروف نشأته ، وأثر القرآن في تحديد ماهيته ووظيفته في التعبير البليغ . ولقد أشار الباحثون إلى أثر المعتزلة بصفة خاصة في انضاج مفهوم « المجاز » من خلال سعيهم الدائب لنفي التصورات الشعبية عن الذات الإلهية وعن أفعالها . غير أن هذه الإشارات جاءت مجملة في سياق موضوع أعم هو موضوع الصورة الأدبية في النقد العربي . وأهم هذه الإشارات الفصل الذي خصصه الدكتور مصطفى ناصف للمؤثرات الروحية في بحث الاستعارة ، وذلك في كتابه عن « الصورة الأدبية » وكذلك ما أشار اليه الدكتور جابر عصفور في تمهيده للفصل الخاص بالأنواع البلاغية للصورة ، وذلك في كتابه عن « الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي » . وكان لهذه الإشارات - على عموميتها - الفضل في تنبيه الباحث إلى أهمية الموضوع ، وضرورة التوفّر على دراسته دراسة تفصيلية تهدف إلى الكشف عن تلك العلاقة الوثيقة بين الفكر الاعتزالي وبين بحث المجاز في القرآن . وهي علاقة كان لها أثرها - دون شك - في توجيه مبحث المجاز وجهة خاصة في دراسة الشعر والنثر على السواء . ولكي يحقق الباحث هذه الغاية ، كان عليه أن يعتمد بصفة أساسية على المصادر الأصلية للفكر الاعتزالي ، دون غيرها من المصادر التي تؤرّخ لهم أو تحكي آراءهم . وقد أتيح لتلك المصادر أن ترى النور منذ فترة قليلة لا تزيد على السنوات العشر . وأهم هذه المصادر مؤلفات القاضي عبد الجبار الأسدآبادي المتوفى عام